الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
239
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )
اعتبار الرضا في المعاملات ، والثاني مفهوم أخص منه ، بل الظاهر من الرواية أنّ الإجبار الوارد فيه هو أمر مساوق للإكراه بمعناه المشهور عند الفقهاء المأخوذ من حديث الرفع . 4 - قد مرّ في أبواب الكذب أنّ حقيقة « التورية » التي تكون في اللغة بمعنى « الاخفاء » والستر ( من مادة الوراء ) ليست مطلق ذكر اللفظ وإرادة معنى غير ما هو ظاهر فيه عرفا ، بل اللازم أن يكون اللفظ قابلا لإرادة ذلك المعنى ومحتملا له ، سواء كان اللفظ بذاته مشتركا لفظيا أو معنويا ، أو قابلا لهما من ناحية القرائن كما في القضية المعروفة أنّه سئل بعض العلماء من كان خليفة النبي صلّى اللّه عليه وآله بعده قال « من بنته في بيته » أو كان له معنى ظاهر منصرف إليه اللفظ مع إمكان إرادة غيره منه بحسب عرف اللغة وأرباب اللسان ، كما إذا دقّ الباب رجل وقال : هل فلان في البيت ؟ فقيل له : ما هو هنا ( الذي ظاهره عدم كونه في البيت ، مع أنّه يشير بموضع خلف الباب ويريد عدم كونه هناك ) . والحاصل : أنّ التورية لا تجري في جميع الكلمات والجمل ولا تصحّ في كل عبارة ، بل في خصوص عبارات تحتمل معنيين مختلفين في عرض واحد ، أو كان أحدهما أظهر والآخر غير أظهر مع إمكان استعماله فيه ، وهذا إنّما يكون في عبارات خاصة ولا يقدر الإنسان عليه في كل زمان وكل محاورة . ومن هنا يظهر لك أنّ التورية ليس من الكذب ، لاحتمال الكلام له ، كما أنّه يظهر أنّ كل كلام لا يحتمل التورية ، وأنّها ترد في مقامات خاصة وعبارات محدودة معينة ، كما أنّ كل إنسان لا يقدر عليها ، بل تحتاج إلى لطف قريحة ومزيد عناية ، كما هو المنقول من كلمات أمثال عبد اللّه بن جبير وغيره في مقابل الحجاج وغيره من الجبارين وأنّه عمل بالتورية في كلامه بلطف قريحته ، فتوهّم إمكان التورية في كل كلام ولكل أحد توهّم باطل ، وعدم ذكرها بعنوان الاستثناء في روايات طلاق المكره وغيرها لعله من هذه الجهة ، حتى أنّ قول البائع « بعت داري لك » لا يمكن فيه التورية بأن ينوي الأخبار لا الإنشاء ، لأنّ الأخبار به كثيرا ما يكون كذبا لعدم بيع داره من غيره . فتلخص ممّا ذكرنا : أولا : أنّه لا فرق في مفهوم الإكراه الوارد في حديث الرفع وشبهه بين العقود وغيرها